random
آخر التقارير

هل أنت كثير الشك؟ قد تكون مصابا "بجنون الارتياب"





الشك سمة مفيدة، حتى إنها ضرورية في مرحلة ما. لكن على الرغم من أننا نعيش في زمن يولد عدم الثقة، إلا أن هناك خطا فاصلا، بالرغم من أنه رفيع- بين ما هو صحي وما هو مرضي.

تدخل إلى قاعة المؤتمرات في الوقت نفسه الذي يتوقف فيه زملاؤك عن التحدث، فتفكر، هل كانوا يتحدثون عنك؟ أو ربما لا يمكنك إلا ملاحظة وجود السيارة نفسها خلفك على الطريق السريع لفترة من الوقت. فتتساءل، هل هناك من يلاحقني؟ بين الفينة والأخرى، يمر الجميع بنوع من عدم الثقة الذي يمكن أن يولد أفكارا مريبة. لكن عندما تتجه الأفكار باستمرار نحو الشعور بالتهديد، عندها لا تكون حذرا فحسب، وإنما أنت في الواقع مصاب بالهذاء أو جنون الارتياب "ويطلق عليه اسم البارانويا كذلك".


جنون الارتياب، هو تشوه إدراكي، وتفكير راسخ ومستمر لدى المريض، ولا أساس له من الصحة، بأن الآخرين يريدون إيذاءه بطريقة أو بأخرى. ويتسم بالميل إلى تفسير المواقف ذات الطابع المحايد على نحو سلبي، ثم- وبالرغم من وجود الوقائع التي تخالف ذلك -التعامل مع تلك المخاوف على أنها وقائع حقيقية. وهو من أهم سمات الاضطراب أو المرض العقلي الشديد، خاصة الفُصام (أو السكيزوفرينيا) .


لكن جنون الارتياب لايقتصر فقط على أولئك المصابين بالأمراض العقلية الشديدة، وإنما قد يصيب طرفا واسعا من الأشخاص، حتى الأصحاء منهم. في الواقع، هناك نوع آخر أقل حدة لهذا التشوه الإدراكي، يعرف بالارتياب غير السريري أو اليومي، وهو يصيب ما يقرب ثلث السكان، وذلك حسب ما أظهرته الأبحاث. وبالنسبة للأشخاص الذين يصابون به، فإنهم يؤمنون بأن جميع من حولهم من أصدقاء وأقارب وحتى الغرباء معادون لهم، أو أنهم يراقبنوهم باستمرار وبشكل يومي.


يمكن أن نعرف جنون الارتياب بأنه شك غير واقعي ويمنعك من التكيف مع المجتمع
يمكن أن نعرف جنون الارتياب بأنه شك غير واقعي ويمنعك من التكيف مع المجتمع


ما يميز جنون الارتياب السريري عن غير السريري هو مدى قوة تشبث الشخص بالأفكار، ومدى القلق الذي تسببه، وإلى أي حد تتدخل في أدائه اليومي. وكما هو الحال مع معظم مشاكل الصحة العقلية الأخرى، ليس هناك حد فاصل واضح بين جنون الارتياب السريري وغير السريري؛ إنه مجرد حكم شخصي يعكس مدى القلق والعجز الذي تسببه المشكلة. جنون الارتياب السريري أو اليومي ليس شائعا فقط، بل يعتقد الخبراء أنه في ازدياد كذلك. كما أن بيئتنا الإعلامية الحالية، التي لا تتوقف عن تكرار الأخبار المرعبة، تؤدي إلى تضخيم التهديدات، وهو ما يُولد جنون الارتياب. والآن وأكثر من أي وقت مضى، المشهد مجهز للتفكير المرتاب.


القليل من الشك أو عدم الثقة لا بأس به، فهو يساعدنا على كشف الخطر المتجلي في شخصٍ أو أحداثٍ ما. من دونه، لن تستطيع ملاحظة الإشارات المحذرة عندما تكون على وشك الاصطدام بزميل لك، أو أن تخفي الآي باد الخاص بك عندما تكون مارا بمنطقة معروفة بمعدل جرائمها المرتفع. لكن من خلال التعريف، جنون الارتياب هو شك غير واقعي ويمنعك من التكيف مع المجتمع. كما أنه ليس قلقا مبررا تجاه الآخرين كأن تقول مثلا (هذا النادل البطيء قد يفسد عشاءنا) ولكنه يعكس المخاوف التي لا وجود لدليل مقنع عليها، مثلا "أراهن على أن هذه النادلة ترى أنني سمينة، ولهذا لم تقدم لنا الحلويات بعد".


صحيح أنه ليس من السهل دائما معرفة ما إذا كانت مخاوفنا مبررة أم لا، لكن من الممكن تحديد متى يكون للأفكار ميول نحو جنون الارتياب، ومن الأسئلة التي يمكن طرحها: هل من المرجح أن يرى الآخرون أن شكوكي واقعية؟ هل هناك أي دليل قوي على ما أعتقده؟. يقول دانييل فريمان، عالم النفس في جامعة أكسفورد ومؤلف كتاب، "جنون الارتياب: خوف القرن الحادي والعشرين": "من المهم أن نتذكر أن جنون الارتياب لا يعرَّف من خلال مضمون الأفكار فقط، ولكن أيضا مما إذا كانت مبالغا فيها ولا أساس لها من الصحة". على سبيل المثال، عندما تقول عروس ما لنفسها "أصدقائي ليسوا فرحين بزواجي حقا"، قد تكون هذه الفكرة نابعة من جنون الارتياب في حال كان أصدقاؤها وأحباؤها فرحين وداعمين لها، وقد يكون قلقا معقولا في حالات أخرى، باختصار الأمر يعتمد على السياق.


ليس من الممكن فقط تعلم التحديد والتعرف على الأفكار المرتابة ولكن السيطرة عليها أيضا، وذلك من خلال فهم الأسباب الجذرية لجنون الارتياب، ومعرفة ما وراء تلك المخاوف، وهو ما يمكن الشخص المعرَّض للاصابة به من التقليل من حدة التفكير المرتاب، وهو أمر بالغ الأهمية. فالفشل في كبح جنون الارتياب اليومي قد يكون له تداعيات متصاعدة. إليك فيما يلي بعض الطرق التي يمكنك من خلالها التعرف وتحديد مشاعر عدم الأمان غير العقلانية، وكيف تتخلص منها، مهما كانت مرتبتك في سلم جنون الارتياب.


هل تحدق بي؟



 
يمكن أن نعرف جنون الارتياب بأنه شك غير واقعي ويمنعك من التكيف مع المجتمع
يكون لدى المصابين بالجنون الارتيابي خلل في مهارات قراءة الأشخاص الآخرين، وانخفاضا في القدرة على التعرف على التعبيرات العاطفية لهم


ويوضح عالم النفس دينيس كومبس، مدير مختبر أبحاث الاضطرابات النفسية في جامعة تكساس في تايلر قائلا "يتسم جنون الارتياب بالميول القوي لإلقاء الضوء السلبي على التصرفات الغامضة والمبهمة - تلك التي تترك مجالا كبيرا لخلق التفسيرات-. لنفترض أنك تسير في مدخل الردهة بينما يمر أحد الزملاء دون أن يلقي التحية. ما الذي سيجول ببالك حينها؟ إذا كنت مثل معظم الناس، "فسوف تفكر بمنطق محايد نسبيا"، ربما كان زميلك مشغولا بهاتفه. أو كانت الردهة مزدحمة ولم يلاحظك. في نهاية المطاف لن تعير للأمر اهتماما كبيرا.


ويتابع كومبس حديثه، لكن أولئك الذين يعانون من جنون الارتياب اليومي (الذين يشغلون حيزا أكبر من المتوسط ولكن غير مرضي في طيف جنون الارتياب) يفشلون في تقدير السياق الاجتماعي. مثل المصابين بالفصام والذين يعانون من جنون الارتياب بدرجات أشد، فإنهم يتعاملون مع المواقف المبهمة بالميول إلى خلق تصورات سلبية وعدائية. التفسيرات التي سوف يستحضرونها لسلوك ذلك الزميل سوف تتسم بالسلبية، وسوف يفكرون مثلا كالتالي"إنه يكرهني منذ أن حصلت على تلك الترقية". ويقول كومبس "بدلا من إلقاء اللوم على الوضعية، سيلوم الأشخاص الذين يميلون للتفكير المرتاب الآخرين. فهم يقررون بسرعة أن ذلك الشخص يكرههم أو أنه يكن لهم مشاعر خبيثة".


السمة الرئيسة لجنون الارتياب هي عيب إدراكي، وحسب ما تشير إليه البحوث، يكون لدى المصابين به خلل في مهارات قراءة الأشخاص الآخرين. ويظهر الأشخاص المعرضون للإصابة بجنون الارتياب انخفاضا في القدرة على التعرف على التعبيرات العاطفية للآخرين، على سبيل المثال، قد لا يفرقون بين تعابير شخص غاضب، وشخص مشتت الذهن. ونتيجة لذلك، لديهم ضعف في القدرات النظرية للعقل. أي أنهم يواجهون صعوبة كبيرة من أجل استخلاص استنتاجات دقيقة حول ما يفكر فيه الآخرون أو ما يشعرون به. فيقعون في فخ التفسيرات السلبية. يقول كومبس، "إنهم يخلقون استنتاجات حول نوايا الشخص الآخر، ثم يتخذون قرارات متسرعة، وخاطئة، لا تستند على أي أدلة في كثير من الأحيان".



وسوف يتشبثون بقراراتهم المتسرعة، حتى وإن أظهرت الدلائل العكس، ويتعامل الشخص المعرض للإصابة بالبارانويا مع أفكاره بشكل خاطئ على أنها واقعية. فإنه حتى وإن سمع في وقت لاحق أن زميل العمل من المدخل قال إنه قد أضاع نظارته ولا يستطيع الرؤية جيدا بدونهما، سوف يظل غير مقتنع بذلك، أو على الأقل قليلا، وذلك لأن جنون الارتياب اليومي لا يقوم على بيانات ملموسة؛ بل يقوم على أفكار ومشاعر غير مؤكدة.


تشريح التهديد

 

تحت أفضل الظروف، أدمغتنا دائما في حالة تأهب لأي خطر. إن توقع التهديدات يخدم حاجة تطورية هامة. ففي النهاية، لو أن الإنسان القديم الذي عاش في العصر الحجري ظن أن مهاجمة النمور له كانت فقط لأنها ترغب في ملاعبته، لما تمكن الإنسان من العيش طويلا.


وينشأ تقييم التهديد في اللوزة الدماغية، التي تفحص باستمرار البيئة لخطر محتمل، وعند إيجاده، تثير استجابة الجسم للقتال أو الرد السريع. يعمل الدماغ على هذا النحو، يضع التقييمات في جزء من الثانية بدون وعينا ("خطر! أفعى!"). ثم تبدأ القشرة أمام الجبهية الأكثر تطورا في تحسين وتفسير هذا التقييم الخام ("لا إنها مجرد عصا) وتهدئة الاستجابة للإنذار إذا لزم الأمر.


هذا النظام الإدراكي العصبي يخضع لاضطرابات خفية نابعة من القلق والاكتئاب واستخدام الماريجوانا، أو حتى نقص النوم، والعوامل التي يمكن أن تحول المحفزات من غير ضارة إلى محفزة للذعر. بادئ الأمر، عتبة نظام الإنذار تنخفض بحيث تطلق اللوزة إشارات ردا على التهديدات الغامضة أو منخفضة المستوى -فيطلق صمت زميل في العمل صفارات إنذار "لقد تم تجاهلي" على سبيل المثال. ثم يتجاهل الدماغ أي محاولات للقشرة أمام الجبهية لتقييم الوضع وإصدار رسالة مهدئة مفادها "أنت بخير".



تقول ميليسا غرين، -خبيرة نفسية في جامعة نيو ساوث ويلز في أستراليا-: "نُترك في حال زيادة اليقظة والحساسية المفرطة للخطر". "قد نتصور التهديدات حيث لا توجد". تلك العصا لا تزال تبدو وكأنها ثعبان. وهكذا تبدو تلك عصا، وتلك العصا الأخرى، وتلك العصا الموجودة هناك".


نولي نحن البشر اهتماما خاصا بالمعلومات الاجتماعية. كما المخلوقات القبلية تاريخيا، لقد تطورنا كي نشعر بالذعر من الرفض الاجتماعي، وكذلك النمور المسننة والثعابين. الأفراد الذين يعانون من جنون الارتياب اليومي لديهم صعوبة في معالجة مستوى التهديد الفعلي للتبادلات الاجتماعية. تفشل القشرة أمام الجبهية في التخفيف من الخوف نظرا لأن المواقف والسلوكيات الاجتماعية الغامضة تنشط اللوزة مرارا وتكرارا.


مرهون بالحذر



ليس القلق والعُزلة هما المساران الوحيدان لجنون الارتياب، فالاستعداد الجيني للقلق قد يجعل الشخص عرضة لأفكار جنون الارتياب
ليس القلق والعُزلة هما المساران الوحيدان لجنون الارتياب، فالاستعداد الجيني للقلق قد يجعل الشخص عرضة لأفكار جنون الارتياب

 

في عام 2008، استقدم فريمان من جامعة أكسفورد 200 مواطن بريطاني لرحلة افتراضية على مترو أنفاق لندن. ارتدى كل مشارك جهازا مثبتا على رأسه يعرض عرضا ثلاثي الأبعاد لعربة قطار في مترو لندن. داخل العربة كان الركاب المتصلون بالحاسوب يتبادلون مقتطفات من محادثة محايدة. بعد ذلك، نقل المشاركون تجاربهم مع "الركاب" الذين صادفوهم. في حين أن الأغلبية كان لديهم تجارب محايدة أو إيجابية، أظهر 40 في المائة دلائل على وجود جنون الارتياب، فعلى سبيل المثال "فتاة تبدو كأحد النشالين"، أو مثلا "كان ثمة رجل يفزعني منظره ". كان المشاركون الذين عانوا من أفكار جنون الارتياب هم أولئك الذين سبق أن أُثِر عنهم القلق، والشعور بالوحدة، أو عدم وجود الدعم الاجتماعي، وجميع محفزات القلق المعروفة. وفي هذا قال فريمان: "مما لا شك فيه أنه كلما زاد القلق، زاد حدوث الأفكار المريبة، وإنما يقودنا القلق إلى التفكير حول النتائج السيئة فحسب وتضخيم تقديراتنا لمدى احتمال حدوثها".


ليس القلق والعزلة هما المساران الوحيدان لجنون الارتياب. ويلاحظ الخبراء أن الاستعداد الجيني للقلق قد يجعل الشخص عرضة لأفكار جنون الارتياب. جنون الارتياب اليومي مرتبط بتقدير الذات. في إحدى الدراسات، طلب باحثون في جامعة ماستريخت في هولندا من 158 شخصا (بعضهم أصحاء، وبعضهم شخصت حالاتهم سابقا بالذهان) أن يحافظوا على تدوين مذكرات من أفكارهم وأمزجتهم لمدة أسبوع واحد. وفي كل حالة من الحالات، فإن توقعات ظهور جنون الارتياب تزداد مع ازدياد القلق وانخفاض تقدير الذات، كذلك الغضب وحدّة الطباع يؤديان إلى الشك، لكن هذه الحالات كانت حالات عابرة تجيء وتنقضي.


الاكتئاب مرتبط أيضا بجنون الارتياب. من بين أولئك الذين يعانون من الاكتئاب، نجد أن الأفكار المريبة تدوم لفترة أطول وبحِدة أكبر. تقول فيفيان ثويسن، المؤلفة المشاركة في الدراسة، وتعمل حاليا في جامعة أوبين في هولندا: "يرتبط الاكتئاب بانخفاض قيمة الذات، لذا قد ينظر الأفراد الذين يعانون من الاكتئاب المعرضون لجنون الارتياب إلى أنفسهم سلبا ويعتقدون أن الآخرين يشاركون أفكارهم السلبية". وقد تَعلق أفكار جنون الارتياب لفترة أطول باعتبارها جهدا مختلا لتنظيم جانب تقدير الذات. بدلا من التفكير في جملة "يا له من اقتصاد مجنون! مضتْ خمسة شهور وما زلت لم أحصل على وظيفة جديدة"، فإن شخصا ما من المعرضين لجنون الارتياب قد يتساءل عما إذا كانت رئيسته السابقة تقدم له حقا التوصية الرائعة التي وعدته بها.


وسواء تركت أعراض القلق المزمن أو الاكتئاب أو انخفاض تقدير الذات الشخصَ معرضا لجنون الارتياب أم لا، فإن الأمر مرهون عادة بوجود ظروف مجهدة لإظهارها. وإذا اعتبرنا أولئك المتنافسين على النجاة، المحرومين من الطعام والنوم والمجبرين على التنافس في سباقات جسدية شاقة، هل من المستغرب أن يتحول حتى أكثر أفراد القبائل تنعّما سريعا إلى أشخاص ماكرين ولا يُوثَق بهم؟



ارتبطت أفكار جنون الارتياب ببعض الضغوطات كالتمييز العنصري، والصدمات النفسية في مرحلة الطفولة، والتذمر
ارتبطت أفكار جنون الارتياب ببعض الضغوطات كالتمييز العنصري، والصدمات النفسية في مرحلة الطفولة، والتذمر


قلة قليلة منا يجدون أنفسهم يتنافسون في حياتهم على هذا الأمر، لكن فريمان يؤمن بأننا نعيش اليوم في عصر يبعث فينا جنون الارتياب. يقول فريمان: "أصبحت المجلات والصحف وبرامج التلفاز، تذكرنا أكثر من أي وقت مضى، بجميع التهديدات التي تواجهنا، بدءا من الإرهابيين إلى المجرمين إلى المتحرشين بالأطفال. وهذا الإفراط في التقدير يقودنا إلى المبالغة في تقدير احتمال وقوع هذه المخاطر". فالمخاطر مُبالَغ فيها، والتهديدات مصورة تصويرا ضخما. شاهد مثلا تغطية لحالة اختطاف أطفال، فتجد نفسك بعدها تشك في جيرانك وتتساءل إن كان أحدهم متواطئا مع مختطفي الأطفال. ويضيف فريمان: "من الصعب أن تبقى هادئا في حين أن كل من حولك مذعورون".


على مدى عمر أي شخص، قد تمر في حياته أوقات يشعر فيها بشيء من جنون الارتياب، أو يشهد مزيدا من الريبة غير العادية، أو القلق، أو الاكتئاب -على حد قوله- وذلك في فترات البطالة على سبيل المثال. بعد فقدان وظيفة ما، والمكافحة من أجل العثور على الرعاية الصحية، وفقدان المدفوعات على بطاقة الائتمان، وقروض الطلاب، وتكاليف الشقة، فإن الشخص الذي لم يعان من أفكار جنون الارتياب العادية قد يدخل فجأة في دوامة القلق من أن أصدقاءه سوف يكرهونه، أو أن يفقد اهتمام شريك حياته، ويصل الأمر إلى القلق حتى من الرجل المار عبر الشارع خوفا من أن يسرق كلبه.


وقد ارتبطت أفكار جنون الارتياب أيضا ببعض الضغوطات كالتمييز العنصري (المتصور أو الحقيقي)، والصدمات النفسية في مرحلة الطفولة، والتذمر، وكلها تؤدي إلى شعور مؤلم بوضع يدفع إلى الاغتراب. ترى ثويسن أن تعلم رؤية العالم على أنه تهديد -وتهديد لك أنت على وجه الخصوص- يمكن أن يدفع الشخص إلى رؤية الضرر المحتمل أو الإذلال في أي مكان، حتى عندما لا يكون هناك ما يسوغ تلك الأفكار.


كما وجد فريمان أن الأشخاص العازبون ربما بسبب شعور الوحدة في كثير من الأحيان، يكونون أكثر عرضة لجنون الارتياب من نظرائهم المتزوجين. فكما أن العزلة الاجتماعية تولّد جنون الارتياب، فإن العلاقات بين الأشخاص تميل إلى أن تكون تصحيحا طبيعيا لهذا الأمر. إن علاقات التواصل المطردة التي تميزهم عن غيرهم تعتبر بمثابة فحص دقيق وغير مهدد للأفكار التي لا أساس لها من الصحة. ("لا تعتقد حقا أن التلفاز مصدر للمعرفة، أليس كذلك؟ إليك هذه المقالة العظيمة التي تفنّد بعض النقاط الرئيسية").


سمات جنون الارتياب

 

إن القابلية للريبة لا تعكس فقط حالتنا العاطفية، بل لها أيضا روابط تنموية. وجد فريمان في بحثه أننا نكون أكثر عرضة للخطر في أواخر سن المراهقة وأوائل العشرينيات من العمر. وأشار بقوله: "يمكن القول إن هذا هو الوقت الذي نشعر فيه بأننا أكثر ضعفا في حياتنا، ونصبح مستقلين ونحدد هويتنا ونمط حياتنا، لذلك قد تكون علاقاتنا مع الآخرين في أعظم مراحل تأثيرها".كما أن الوضع الاجتماعي الاقتصادي المنخفض يؤدي إلى وضع الناس في حالة تأهب قصوى. وقد يؤدي العجز الذي يستحثه الفقر إلى شعور البعض بالاضطهاد على المستوى الفردي.


ومن المثير للدهشة، أن الأمر مسألة حظ، ولا يُعرف إذا كانت النساء أو الرجال أكثر عرضة للإصابة به. تشير دراسات فريمان إلى أن عددا أكبر من النساء يعانين من مستويات منخفضة من جنون الارتياب. (بالإجابة بنعم على السؤال "على مدى العام الماضي، هل كانت هناك أوقات شعرت فيها بأن الناس كانوا ضدك؟")، في حين أن الرجال أكثر عرضة لتجربة مستويات مكثفة من الشك (الاعتقاد بأن الآخرين يتآمرون لإحداث ضرر جسيم لهم). وعلى الرغم من ذلك، فإن النساء أكثر خجلا تجاه شكوكهن. يقول فريمان إن أسباب التناقض بين الجنسين غير واضحة، ولكن "النساء عموما لديهن مستويات من القلق أعلى من نظيراتها عند الرجال، والقلق يجعل التفكير بجنون الارتياب أكثر استياء".


التهديد الحقيقي لانعدام الثقة


الآثار السلبية لجنون الارتياب اليومي قوية. التفكير المرتاب يقلل من السعادة والهدوء ويزيد من العزلة الاجتماعية. بل و يقود الناس إلى الانسحاب من محيط الجيران وزملاء العمل والأصدقاء، ولسان حالهم يقول: لماذا نتكبد عناء الخروج إلى العالم إن كنا نجد كل هذه الأسباب التي تجعلنا نختبئ منه؟ ولكن العزلة تزيد من تفاقم التفكير المرتاب. معظم الناس الذين يعانون من الأفكار المرتابة يبقون على حافة طيف جنون الارتياب. ولكن بالنسبة للبعض الآخر، تتطور الأفكار الوهمية خطيرة بمرور الوقت. ويقول فريمان: كما هو الحال مع القلق أو الاكتئاب، فإن نوبات أخف من التفكير المرتاب تجعل الشخص عرضة للتحول إلى الطور المرضي. فليس من المستغرب، والحالُ هذه، أن يرتبط التفكير المرتاب أيضا بزيادة خطر الانتحار.


هناك علاجات فعالة لجنون الارتياب اليومي. وتشير البحوث إلى أن الحصول على مسافة من أفكار الشكوك وتقييمها يقلل كلا من الضائقة التي تسببها ونسبة ترددها بشكل عام. إن العلاج السلوكي المعرفي نهجٌ واعد خاص، حيث يتم فيه مساعدة المريض لتحديد الأفكار المسببة للقلق ومن ثم اختبار صلاحيتها.



 

الثقة العمياء هي وجود الإيمان "دون أي تقييم أو وعي بحجم الضرر الأقصى، والأطفال هم المثال الأكثر رؤية لتلك الفئة من "مفرطي الثقة"، لأنهم يفتقرون إلى المهارات المعرفية بحجم المخاطر المحتملة
الثقة العمياء هي وجود الإيمان "دون أي تقييم أو وعي بحجم الضرر الأقصى، والأطفال هم المثال الأكثر رؤية لتلك الفئة من "مفرطي الثقة"، لأنهم يفتقرون إلى المهارات المعرفية بحجم المخاطر المحتملة


إن التعامل المباشر مع المحفزات الكامنة وراء جنون الارتياب - والقلق، والاكتئاب، والبيئة المجهدة - يساعد أيضا على تقليل جنون الارتياب اليومي. وتعتبر زيادة الأنشطة الاجتماعية خطوة هامة أخرى. ويقول فريمان إن العديد من الناس يخجلون من مثل هذا العلاج بسبب انخفاض تقديرهم الذاتي ومخاوفهم من السخرية أو الأذى. وهذا يعني الفشل في عكس مكونات العزلة المفضية إلى جنون الارتياب. ومن الممكن مكافحة مشاعر الشك التطفلية بواسطة الفرد نفسه، أولها -حسب رأي فريمان- من المهم "تذكّر أن مثل هذه الأفكار مشتركة بين الجميع". فلا غضاضة من كشف الستارة عن مضمر الرأي فيها. ولا بأس من إشراك الآخرين في معرفة ماهيتها. أو حاول أن تتخيل وجهة نظر شخص آخر: ما كان سيفعل صديقك أو أعز أصدقائك إن كان في الموقف نفسه؟ أكان يجد مسوغا لتفكيرك ذاك؟


إن وجدت نفسك تفكر مليا في السبب الذي جعل زميلك يتجاهلك في القاعة، فانس الأمر ولا تعبأ. يقول فريمان: "أنت قد لا تعرف أبدا السبب وراء ضحك الشخص أو نظرته تجاهك، فلماذا تضيع الوقت في محاولة للعثور على إجابة؟" "الغموض يملأ الأنحاء من حولنا. فلا تدع هذا يمنعك من فعل الأشياء التي تستمتع بها".


الثقة أكثر من اللازم

 

الثقة في الآخرين جزء ضروري من الحياة اليومية، فنحن نثق على سبيل المثال في أن السيارات الموجودة في الشارع سوف تتوقف عند انطلاق الضوء الأحمر لإشارة المرور. ونحن على ثقة من أن تأثير نوفوكين سيبدأ قبل أن يشرع طبيب الأسنان في حفر أسناننا. ونحن على ثقة من أن الطباخ في المطعم قد غسل يديه قبل أن يعد سلطة عشائنا، وأنه إذا طلبنا رقم الطوارئ سوف يأتون لمساعدتنا على الفور.


يقول راينهارد باخمان -أستاذ التخطيط الإستراتيجي في كلية إدارة الأعمال بجامعة ساري في إنجلترا، ومساعد الناشر لكتاب "دليل أبحاث الثقة"-: "إن الثقة تقلل من التعقيد وتضمن أن نتمكن من تجاوز الغموض الذي نتعرض له خلال اليوم بسرعة". في الواقع، ولأن الثقة تولد الكفاءة، "فإن الأشخاص الذين يثقون بسهولة من المرجح أن تكون فرصتهم في تحقيق المزيد من النجاح والسلطة أكبر". ثم يقول "الثقة توفر الوقت والجهد الذي من شأنه أن يذهب خلاف ذلك في محاولة للسيطرة على كل شيء في كل وقت".

 

ويوضح باشمان أن الثقة الصحية تستند إما إلى وجود تجارب مباشرة إيجابية مع "الشخص محل الثقة" المحتمل أو معرفة أنه من المرجح أن يتبع شخص غريب في بيئة معينة قواعد معينة. حتى لو كان خادم المطعم يرتدي "تي شيرت" لعبة "جراند ثيفت أوتو" والتي تعني "سرقة السيارات الكبرى"، فأنت تعتقد أنه سوف يقوم بإيقاف سيارتك في المكان المخصص لها ولن يسرقها.


ويقول باشمان: إن الثقة العمياء على الجانب الآخر، هي وجود الإيمان "دون أي تقييم أو وعي بحجم الضرر الأقصى إن لم يكن إيمانك أو اعتقادك في محله". فالنسبة الأكثر من الناس لا تفشل فقط في موازنة مخاطر الوضع، بل إنهم يهملون مبدأ وجود تلك المخاطر. الأطفال هم المثال الأكثر رؤية لتلك الفئة من "مفرطي الثقة"، لأنهم يفتقرون إلى المهارات المعرفية بحجم المخاطر المحتملة.


يميل الأفراد على الأرجح إلى الثقة المفرطة عندما يريدون الاختصار. من الأسهل إعطاء المال الخاص بك إلى وسيط الاستثمار والثقة به في أنه سوف يجعلك غنيا بإجراء العديد من المقابلات مع بعض الوسطاء المختلفين، وسؤالهم عن طبيعة وماهية المجالات التي سيقومون باستثمار أموالك فيها، وعن صناديق استثمارتهم البحثية. فأنت لا تريد أن تخسر بعض المكاسب المحتملة -التي قد يحصل عليها البعض الآخر بالفعل- لذلك فأنت تأخذ الطريق القصير وتفرط الثقة بوسيط ما وتعطيه أموالك.


الشؤون المالية ليست الساحة الوحيدة التي يشع فيها الإفراط في الثقة. "عندما يستمر الشخص في البقاء في صداقة أو علاقة رومانسية بعد أن تم كسر ثقته عدة مرات، فإنه أيضا مفرط الثقة". يفسر ذلك عالم النفس الاجتماعي بجامعة كورنيل، ديفيد دونينغ قائلا: إذا اعترف شريك حياتك بأنه أو أنها قد انخرطت في أكثر من علاقة عاطفية أخرى خارج حياتكم الزوجية أو كان صديقك المقرب يدفعك للجنون مع القيل والقال، على الرغم من أنك قد توسلت له أن يتوقف، فإن الاعتقاد بأن أي واحد من هذين النوعين سوف يتغير فجأة هي الآمال التي لن تحدث أبدا. ويضيف دونينغ "ما فعله شخص ما في الماضي ليس مؤشرا مثاليا على تصرفاته المستقبلية، لكنه أفضل ما لدينا.

 

ويشير دانينغ إلى أنه من الذكاء دائما البحث عن دليل واضح على أن شخصا ما يستحق ثقتك، ثم يتساءل: هل يمكن أن يجتمع عدة أفراد على إعطاء جليسة أطفالك الجديدة التقييمات المتميزة؟ هل يعطي الزبائن الآخرون في موقف السيارات الخادم الذي يصف سياراتهم بسخاء؟ حتى في العلاقات القائمة، لا بد من تقييم الثقة. نعم، يمكننا إعطاء الشخص فرصة لإظهار مدى استحقاقه لثقتنا. ولكن إذا فشل، لابد علينا من إعادة التفكير في ما إذا كانت العلاقة تستحق الاستمرار أم لا.


التآمر للحصول على أجوبة

 

ويبدو أن المنظرين من أنصار فكرة المؤامرة هم الصورة النمطية التي تمثل جنون الارتياب اليومي. ولكن قبل أن تشير بإصبعك إلى أولئك الذين يعتقدون عدم أحقية باراك أوباما في رئاسة الولايات المتحدة، أو أولئك الذين يظنون أن هجوم 11 من سبتمبر/ أيلول وقع بتدبير داخلي، أو حتى أولئك الذين يصرون أن أحدا لم يطأ بقدمه على سطح القمر بعد. مازال الخبراء لم يحسموا الجدل بشأن الشك تجاه السلطة، هل يعتبر تفكيرا ارتيابيا أم لا.


وتقول كارين دوغلاس، عالمة النفس في جامعة كينت، وقد ربطت العديد من الدراسات المعتقدات التآمرية بانعدام الثقة، ومشاعر العجز، والشعور بالاغتراب والعزلة، وكلها يمكن القول بأنها عناصر من أعراض جنون الشك مادون المرضي. "ولكن ليست كل التفسيرات البديلة التي يخرج بها الناس لشرح الأحداث هي بالضرورة غير واقعية". (فقد كانت قضية ووترجيت، بعد كل شيء، قضية محيرة للعقل قبل أن يتم توثيقها بالمستندات)


الأشخاص الذين يؤمنون بنظريات المؤامرة قد يكونون ببساطة أكثر انفتاحا. أفادت دراسة أجرتها جامعة ونشستر أن الأفراد البريطانيين الذين صنفوا على درجة عالية من الفضول الفكري، وخيال نشط، وميل للأفكار الجديدة كانوا أكثر عرضة لتأييد تفسيرات بديلة لهجمات مركز التجارة العالمي (على سبيل المثال، قال بعضهم إنه عمل داخلي). ويعتقد الباحثون أن إبداع الشخص قد يسمح بزيادة انفتاحه على أفكار المؤامرة.



 

إن الأشخاص الذين يعانون من جنون الشك غير المرضي يشعرون بعدم الارتياح من الغموض على المستوى الشخصي

 

أدمغتنا مجهزة باتقان -بالفعل- لتصديق نظريات المؤامرة. يقول إيلان شريرا -عالم النفس الاجتماعي في جامعة فلوريدا-: "لدينا ميل إلى تفسير المعلومات الجديدة بطرق تؤكد معتقداتنا ومواقفنا السابقة". ويضيف "ثم إن هناك افتراضنا المباشر الناتج عن "الواقعية الساذجة"، والتي نشعر فيها أننا قادرون على الإبقاء على موضوعيتنا في حين يكون كل من حولنا متحيزا". أو بعبارة أخرى، يعتقد منظرو المؤامرة أنهم فقط من يرون الحقيقة "الواضحة".


يقول الخبراء إنه ليس هناك دليل دامغ على أن نظريات المؤامرة تنمو تدريجيا. وتضيف دوغلاس: ومع ذلك، يعتقد الكثيرون أن الإنترنت قد سهل من انتشار نظريات المؤامرة لأنه من الواضح لكل أحد، أن عملية تبادل المعلومات والأخبار الآن أصبحت أكثر سهولة مما كانت عليه من قبل.


من المرجح أن يتساوى الرجال والنساء على حد سواء في الإيمان بنظريات المؤامرة. أحد المؤشرات الجيدة على قابلية التأمل في التآمر هو مدى إيمان الشخص بالمبدأ الميكافيلي. وفقًا لأبحاث دوغلاس، الناس أكثر عرضة للاعتقاد بأن الآخرين يتآمرون عليهم عندما يعتقدون أنهم أيضًا سيقومون بالمثل، إذا ما أُعطيت لهم الفرصة. أي أنهم يُسقِطون صفاتهم الأخلاقية على الآخرين.


ولكن هناك تفسير يُعد أكثر رقة ولطف، يوضح لماذا يؤمن الآخرين في نظريات المؤامرة؟ إننا نعيش في عصر نكافح فيه من أجل التعامل مع أسئلة مخيفة ومعقدة وأحيانا غير قابلة للإجابة. في حين أن الناس الذين يعانون من جنون الشك غير المرضي يشعرون بعدم الارتياح من الغموض على المستوى الشخصي، خذ على سبيل المثال ("أنا لا أعرف لماذا لم تقل عاملة الخزينة لي مرحبا، هل هي تكرهني؟")، تعرض نظريات المؤامرة عدم الراحة مع أسئلة أكثر غموضا، مثل: لماذا سقطت الأبراج في أحداث 9/11؟ ماذا أو من يعيش في الفضاء الخارجي؟


تقول دوغلاس: "يتعرض الأشخاص باستمرار للكثير من المعلومات والتي تكون متضاربة في كثير من الأحيان ومن ثم يلجؤون للتقرير بأنفسهم ما هي الحقيقة". على سبيل المثال، نسخة القصة المعروضة على فوكس نيوز تكون مختلفة تماما عن تلك المعروضة على قناة إن بي آر، على الرغم من أن النسختين للقصة نفسها، وأحيانا من الصعب التمييز بين الحقيقة وغيرها من التفسيرات. الناس عموما يفتقرون إلى الوصول المباشر إلى الحقائق التي قد تساعدهم على تمييز الصحيح من التفسيرات غير الصحيحة. وتقول: "إنهم بحاجة إلى محاولة فهم كل شيء، وقد توفر نظريات المؤامرة طريقة سهلة للخروج من هذه المهمة المعقدة"، فعندما تتساءل مثلا، "متى ستكون نهاية العالم؟" فإنه من المريح أن تسمع جوابا -مهما كان سخيفا.



=====================================
المقال مترجم عن (سيكولوجي توداي)

google-playkhamsatmostaqltradent