random
آخر التقارير

الاكتئاب بدون سبب.. كيف تؤثر البكتيريا المعوية على صحتنا النفسية؟

 


هل تتذكر المرة الأخيرة التي شعرت فيها بمغص في المعدة وأردت الزحف إلى الفراش والارتماء تحت اللحاف فحسب؟ يُطلق على هذا الأمر "سلوك المرض"، وهو نوع من الاكتئاب قصير المدة، حيث لا تتسبّب البكتيريا التي تضرب أمعاءك بالغثيان فحسب، لكنها تتحكم بمزاجك أيضا. وقد لا تُصدِّق الأمر، فالبكتيريا تسكن الأمعاء والمشاعر تتولّد في الدماغ. لكن الحقيقة أن هذا غيض من فيض السلطة التي تمتلكها الميكروبات على مشاعرنا.

في السنوات الأخيرة كان هذا النوع من الكائنات الحية في الأمعاء مرتبطا بباقة واسعة من حالات تأثر المزاج، لا سيما القلق والاكتئاب. غير أن تأثير البكتيريا لا يقتصر على انحدار المزاج، فالنّوع الجيد منها يُحسِّنه، وهو ما سيكون له أثر مهم، لأننا سنكون قادرين عند مرحلة على التلاعب بالميكروبات التي تتكاثر في أمعائنا لتحسين مزاجنا ومشاعرنا.

لا نزال في البداية، لكن الوعود كبيرة 


تضع منظمة الصحة العالمية أمراض الاكتئاب والقلق كمسبّب أول للإعاقة، وتقول إنها تُصيب 300 مليون شخص حول العالم على الأقل. وهذه الاكتشافات الجديدة بشأن البكتيريا تتحدى التفكير السائد في المرض النفسي على أنه اضطراب كيميائي في الدماغ، لتعرض خيارا دوائيا بديلا له. لعلك سمعت بما يسمونها الـ "بروبايوتيكات"، لكن هذه نسخ مطورة منها وتُسمى الـ "سايكوبايوتيكات"، وقد يكون لديها القدرة على تغيير مزاج العالم بأسره.

ارتبطت البكتيريا بالمرض منذ اكتشافها قبل 350 عاما على يد عالم الأحياء ورائد الميكروسكوبات الهولندي أنطوني فان ليفينهوك. لكننا مؤخرا فقط، تمكّنّا من فهم الدور الذي تلعبه الميكروبات في سلامتنا النفسية. إنها تساعدنا في استخراج الفيتامينات التي تولّد الطاقة من الطعام، لكن الأهم أن البكتيريا الداخلية تحارب البكتيريا المسببة للمرض، وتحمينا من تداعياتها.

كان علينا الانتظار حتى القرن الحادي والعشرين لكي نلمح أول تأثيرات الميكروبات على أحاسيسنا. وبدأ الأمر مع الفئران المعقمة. في عام 2004، وجد نوبواكي سودو، من جامعة كيوشو في اليابان، أن الفئران التي تنقصها الميكروبات لديها استجابة غير طبيعية للتوتر. هذه الفئران الخالية من الجراثيم وُلدت عبر عملية قيصرية ونشأت في بيئة معقمة، فهذا النوع من الحيوانات غير موجود في الطبيعة لأن الإصابة بالميكروبات أمر حتمي هناك، إنها تكسو الجلد وتحب العيش في البطانة المخاطية للأمعاء تحديدا، ومن ثم تنتشر في القولون، الذي يوفر الظروف الملائمة لتكاثر البكتيريا، والفطريات والفيروسات.



دون مجموعة من البكتيريا الدفاعية، كانت هذه الفئران الخالية من الجراثيم هشة أمام البكتيريا المسببة للمرض. فالفأر العادي لم يكن يُفضِّل أصنافا محددة من الطعام، كما أنه يستهلك ملايين البكتيريا المسببة للمرض دون أن تصيبه حازوقة، لكن الفأر الخالي من الجراثيم يمكن أن يموت من مجرد تناول أقل جرعة من البكتيريا الضارة.

لقد توقع سودو وفريقه أن يصاب الفأر بالمرض الجسدي، لكنهم لم يتوقعوا ملاحظة فروقات سلوكية. مقارنة بالفئران غير المعقمة، كرّست الفئران المعقمة وقتا أكبر لكي تقضيه برفقة الجمادات، وكانت لديها استجابة متضخمة للتوتر، وكانت لديها أدمغة أقل تطورا. من الصعب أن نعرف الأشياء التي دارت في خلد فأر، لكنها تصرفت كشخص مصاب بالاكتئاب، وسرعان ما عادت الاستجابة للتوتر إلى مستواها الاعتيادي فور أن قام سودو بإطعامها البكتيريا غير المسببة للمرض.

هذا الرابط العجيب بين الميكروبات والمزاج سُمّي بـ "حلف الأمعاء والدماغ"، وقد نال اكتشاف سودو تقدير الكثير من الباحثين في العديد من أفرع المعرفة وحقولها. كما تمخّض عن حقل جديد من الدراسات، حيث كشف البعض عن اختلافات في كيمياء الدماغ لدى الفئران المعقمة والفئران الطبيعية، بما فيها الانخفاض الحاد في السيروتونين، وهو ناقل عصبي يرتبط بالاكتئاب. في حين أظهرت الفئران التي تمت هندستها لإنتاج نموذج بشري من الاكتئاب استفادة من تناول أصناف محددة من البكتيريا. بينما وجدت دراسة أجراها دون كريان وتيد دينان، من جامعة كورك في إيرلندا، أن بكتيريا أكتوبيكيللوس رهامنوسوس التي يوجد البعض منها في اللبن الرائب تحمل تأثير مضادات القلق على الفئران. ويقول كريان:

"لقد أصبحت أكثر استرخاء وارتياحا. إنها تتصرف كما لو كانت تتناول عقارات الفاليوم أو البروزاك. كما أننا بالنظر إلى أدمغتها، وجدنا تغييرات واسعة".


يمكن للميكروبات إنتاج كل ناقل عصبي موجود في الدماغ البشري تقريبا، ولذا فمن غير الممكن إجراء أبحاث على بشر خالين من الجراثيم. لكن كريان ودينان وجدا أيضا أن تلقيح الفئران ببراز شخص مصاب بالاكتئاب أدّى لأن تُطَوِّر هذه الفئران أعراضا مماثلة، وهو ما أقنعهم أنَّ نتائج البحث تسري على البشر أيضا. أدرك الباحثانِ أيضا أن تأثير البكتيريا على مشاعرنا سيكون له وقع كبيرعلى الطريقة التي نقوم من خلالها بفهم ومعالجة الكثير من مشكلات الصحة النفسية. في عام 2013، طرح الباحثان بالإضافة إلى زميلة لهم تُدعى كاثرين ستانون فكرة "السايكوبايوتيكات"، وهو تصنيف جديد من البروبايوتيكات التي يمكن أن تُحسِّن أمزجة الأشخاص. أخيرا وليس آخرا، هناك خط جديد من الأبحاث التي تخبرنا بنوعية الأطعمة التي يمكن أن تُحسِّن المزاج. وهذه الفكرة جريئة، لأننا على الأقل عند هذه المرحلة، لا نعرف كيف يعمل حلف الأمعاء والدماغ هذا، ويقول كريان:

"المسألة هي أننا لا نعرف، كيف تتواصل البكتيريا في الأمعاء مع الدماغ؟".


وبدا أن الإجابة تكمن في الاكتشاف المذهل مطلع الألفية الثانية بأن الميكروبات قادرة على إنتاج كل ناقل عصبي موجود في الدماغ، بما فيه السيروتونين والدوبامين، وهي النواقل المسؤولة عن المكافأة والتحفيز. لكن كانت هناك مشكلة: الدماغ مُصمَّم بحيث يعزل نفسه عن معظم التأثيرات الخارجية عبر "حاجز الدم في الدماغ" الذي يمنع الخلايا، والجسيمات، وجزيئات معينة، بما فيها النواقل العصبية، من العبور. فكيف تتمكّن هذه المواد الكيميائية التي تُنتجها الميكروبات في الأمعاء من التأثير في الدماغ؟

خط ساخن مع الدماغ


جاءت الانفراجة في هذه المسألة عام 2017، مع اكتشاف وجود خلايا مميزة في بطانة الأمعاء. يمكن لهذه الخلايا المعوية أليفة الكروم أن ترصد أماكن إنتاج النواقل العصبية عبر الميكروبات، والذي يتم عبر نبض يُنتجه العصب المبهم، الذي يصل الأمعاء بالدماغ. بالإضافة إلى ذلك، فقد أظهرت التجارب على الفئران أن قطع هذا العصب يمكن أن يُنهي العديد من التفاعلات السايكوبايوتيكية. فقد وجد دينان وكريان على سبيل المثال أن الرهامانوسوس لم تخفف منسوب التوتر لدى الفئران عندما تعرّض العصب المبهم للضرر. وتُفيد المزيد من الأدلة بأن ميكروبات الأمعاء والجزيئات التي تنتجها يمكن لها أن تُحسِّن سلامة حاجز الدم في الدماغ أيضا.

يمكن لهذا التواصل الواضح بين ميكروبات الأمعاء والدماغ أن يؤثر على تطور الدماغ أيضا. الدماغ مليء بالطبقات التي تُعنى كل واحدة منها بوظائف معينة، وتلك التي توكل إليها مهمة التعامل مع القلق والمزاج تتضمن اللوزة الدماغية، وقشرة الفص الجبهي، والحصين وما تحت المهاد، وهي تتصل ببعضها بمحاور تشبه معكرونة السباغيتي تضخ شذرات متفرقة في أرجاء الدماغ، في نمط أسلاك معقد يمتلك كل واحد منا نسخة فريدة منها. نجد أساسات هذا النمط السلكي في أدمغتنا ونحن في الأرحام ويتابع نموه حتى السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل، والمثير أن ميكروبات الأمعاء يمكن أن تلعب دورا في العملية، فالفئران الخالية من الميكروبات أظهرت نموا غير طبيعي في منطقة اللوزة، والحصين، وقشرة الفص الجبهي من الدماغ.

الطريقة التي تقوم فيها الميكروبات بهذا الأمر، والتأثير اللاحق لها على الدماغ، لا يزال مُبهما، لكننا نعرف أن تلك الطبقات ليست ثابتة وقابلة للتغير. وعلى سبيل المثال، يمكن للاكتئاب أن يتسبّب في إفراط نشاط اللوزة، وهي المسؤولة عن استجابة الرد والتجاهل في المواقف الحاسمة في الحياة، ومن ثم انكماشها. ويمكن لهذه الحالة أن تتسبّب في انكماش الحصين، مما يُمكن أن يؤثر على ذاكرتك. هذه التأثيرات المادية يمكن أن تُفسِّر لماذا قد "لا تعتقد ببساطة أنك شخص سعيد".

لا يزال لدينا تصور مُبهم لطريقة تأثير البكتيريا على الأمزجة. وفي الحقيقة، فنحن لا نعرف أي الميكروبات تلك التي تنشأ في أمعائنا، لأننا نعجز عن استنبات العديد منها مخبريا. الجزيرة 

نحن لا نعرف إلى أي مدى بالضبط تؤثر الميكروبات في هذا كله، لكننا وجدنا علاقة بين بكتيريا الأمعاء والطريقة التي يتعامل فيها الأشخاص السعداء مع مشاعرهم. في عام 2017، قام كيرستين تيليتش وإيميران ماير، من جامعة كاليفورنيا، بمعاينة ميكروبات معوية لدى 40 امرأة، ووجدا أن من الممكن تقسيم النساء إلى مجموعتين: الأولى لديها الكثير من بكتيريا البريفوتيلا، والثانية لديها الكثير من البكتيريا العصوانية، ثم قام الباحثان باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للنظر في نشاط أجزاء معينة من أدمغة النساء في أثناء مشاهدتهن لقطات مزعجة.

وكان لدى كل فئة منهن نشاط متميز في الدماغ، والذي كان متميزا لدرجة الإشارة إلى أي فرد ينتمي هذا التصوير بدقة بلغت 87%. وكانت المجموعة التي وجدت لديها كميات ضخمة من بكتيريا البريفوتيلا تمتلك حصينا أصغر حجما وأقل نشاطا عن الطبيعي، وهذا العارض موجود لدى المصابين بمرض الاكتئاب. وجد الباحثان أيضا أن بإمكانهم التأثير على الطريقة التي تقوم فيها أدمغة الناس بمعالجة المشاعر باستخدام البروبيوتيك. حيث قاموا بإعطاء 36 امرأة معافاة أنواعا من بروبيوتيكات اللبن الرائب التي تحتوي على أربعة أنواع من البكتيريا مرتين يوميا لمدة أربعة أسابيع، وأظهرت صور الدماغ أن ذلك أثّر على النشاط والاتصال في مراكز العواطف في أدمغة النساء، مما أدّى إلى إحداث تغييرات ترتبط بمعالجة أكبر كفاءة للمشاعر.

تناول الميكروبات ساعد حتى الأشخاص الواقفين على أعتاب الاكتئاب والقلق، حيث يُركِّز عدد من الدراسات على النساء الحوامل بما أن الاكتئاب الحاد يُصيب 15% من النساء في أثناء الحمل وما بعد الإنجاب، ويمكن له أن يتعارض مع قدرة الأمهات على تشكيل الأواصر مع أطفالهن. في دراسة أُجريت عام 2017، تم إعطاء 200 امرأة بكتيريا الرهامنوسوس منذ بداية الحمل حتى ستة أشهر من بعد الإنجاب. ووجدت الدراسة أنهن سجّلن نقاطا أعلى عن مجموعة أخرى في اختبارات القلق والاكتئاب، وهذا الاكتشاف مهم بالنظر إلى أن الكثير من النساء يعتمدن على مضادات الاكتئاب في أثناء الحمل. وفي دراسة أخرى، أظهر طلاب الجامعة الأصحاء الذين تناولوا البروبيوتيكات لمدة شهر تحسّنا في عدة مؤشرات على القلق، ما فيها الذعر، والقلق والمزاج السلبي، في حين أظهر الطلاب غير الأصحّاء الذين تناولوا البروبيوتيكات تحسّنا أكبر.

وتقول تيليتش: "إنني أصدق البيانات التي تدعم دور الميكروبات في تحسين مشاعرنا". لكنها حذرت من أن الدراسات تُظهر وجود علاقة لكنها لا تُظهر السبب، وهو ما يعني أن المزاج ربما هو ما يؤثر في الميكروبات لا العكس. تناول الميكروبات ساعد الأشخاص المصابين بالقلق والاكتئاب وهذا أمر جيد، لكن هنالك عقبة أخرى قبل أن تصبح السيكوبيوتيكات هي العلاجات الرئيسية. حاليا، لا يزال لدينا تصور مُبهم لطريقة تأثير البكتيريا على الأمزجة. وفي الحقيقة، فنحن لا نعرف أي الميكروبات تلك التي تنشأ في أمعائنا، لأننا نعجز عن استنبات العديد منها مخبريا.

هناك آلاف الميكروبات التي تم التعرف إليها عبر تحليل عينات مقطع صغير من مادة جينية تُدعى "16S rRNA"، لكن كل ما يمكن أن يفعله هذا هو تتبع البكتيريا بدقة إلى المستوى الجيني فحسب. غير أن هناك تقنية جديدة تُحدث ثورة في البحث الميكروبي، تُسمى "تسلسل البندقية الكامل للجينوم"، ويمكن لها أن تجد أنواعا وحتى أنواعا فرعية عبر النظر إلى كل جين في عيّنة مأخوذة من أي بيئة كانت. باستخدام هذه التقنية، تمكّن جيرون ريس وزملاؤه في جامعة لوفين في بلجيكا من التقاط مشهد ممتاز للميكروبات المعوية لأكثر من 1000 شخص. وفي أبريل/نيسان، قالوا إن الأشخاص الذين شُخِّصوا بالاكتئاب كانت لديهم أعداد أقل من البكتيريا من صنفين هما الـ "Dialister" والـ "Corporoccus". وهذه، بالتالي، هي سايكوبيوتيكات بشرية ممكنة.

قام هؤلاء الأشخاص أيضا بالإجابة عن أسئلة تتعلق بجودة الحياة، وهو ما كشف عن أن الأشخاص الذين تمتعوا بجودة حياة أفضل كانت لديهم ميكروبات تُنتج "الزبديات" بصورة أعلى، وهو نوع من الأحماض الدهنية التي ترعى الأمعاء وتحميها. كما أن الميكروبات المعوية لديهم كانت تُنتج كميات أكبر من المركبات الطليعيّة للناقل العصبي الدوبامين.

لقد كانت هذه الدراسة البشرية الضخمة ممكنة لأن بلجيكا تحتفظ بسجلات طبية إلكترونية مُكثَّفة متاحة للبحث العلمي، وهناك العديد من دول شمال أوروبا التي تمتلك مجموعات مماثلة من البيانات، وتحليلات تسلسل البندقية الكامل للجينوم، والتي يمكنها الكشف عن هوية العديد من السيكوبيوتيكات الممكنة. لكن بوسعنا ربما القيام بما يفوق مجرد إيجاد "البكتيريا المفيدة"، حيث يعتقد دينان وكريان أنه مثلما تحمل البكتيريا المسببة للمرض جينات معينة، فإنها قد تحمل أيضا جينات مفيدة للصحة النفسية، بحيث يكون السيكوبيوتيك المثالي يحتوي على جينات من مختلف أنواع البكتيريا بحسب قولهم.

تظل هذه أمورا للمستقبل، لكن هناك أشياء يمكننا القيام بها الآن لزيادة أعداد السيكوبيوتيكات وهي بحوزتنا الآن، وهي مسألة وقت قبل أن يحل هذا الأسلوب محل العلاجات الحالية لاضطرابات المزاج، فعوض استهداف الرأس ربما علينا أن نستهدف الأمعاء، ويقول كريان: "هذه الطريقة الجديدة في النظر إلى الصحة الدماغية تقلب الأشياء رأسا على عقب، حرفيا".

ترجمة: فرح عصام.
google-playkhamsatmostaqltradent