random
آخر التقارير

البكتيريا تستعد لتحكم العالم من جديد


منذ أيام قليلة وبمناسبة الأسبوع العالمي للتوعية حول استخدام المضادّات الحيوية الذي يحل كل سنة بين الثالث عشر والتاسع عشر من شهر تشرين الثاني "نوفمبر"؛ دقت منظمة الصحة العالمية ناقوس الخطر، وأطلقت إنذارا واسعا، للتنبيه العاجل حول ما يحدق بمستقبل هذه العناصر البيولوجية الضرورية، التي يبدو أنها استنزفت، كما استنزفت كثير من الثروات القيمة على ظهر هذا الكوكب الصغير خلال القرن العشرين، الذي شهد جشعا وسعارا استهلاكيا غير مسبوق، أتى على كثير من خيرات الطبيعة وكثير من النعم غير المعدودة التي جعلها الله في خدمة الحياة.

إنها نعمة إلهية بما تحمل الكلمة من معنى، سلاحا طيبا رافقنا خلال قرن من الزمان، كان الحصن الذي تساقط أمامه أولئك الأعداء غير المرئيين الذي فتكوا بالعصور السابقة من البشر والحيوانات على السواء، ومثل ما كانت حكمة الله حاضرة في أولئك الغزاة من المخلوقات الدقيقة العدائية، كانت كذلك حكمته ماثلة في مخلوقات أخرى ضئيلة، أتقنت حرفة الدفاع عن نفسها في وجه أقرانها، وصنّعت سلاحها الفعّال، ثم جاء الوقت الذي تمكن الإنسان من التطلع إلى ذلك العالم المجهري، وتطفل على تلك الحرب الصامتة، ولم يلبث أن سرق ذلك السلاح، ووظفه في خدمة نفسه والدفاع عن وجوده، لكن عبر الزمن اتضح أنه سلاح ذو حدين، لا يقبل أن يساء استخدامه، أو ربما غضب من أن يصبح مرتزقا يدافع عن غير أصحابه الأصليين؟ فصار يفقد قدرته وفعاليته شيئا فشيئا، حتى يكاد يستسلم اليوم في مواجهة البكتيريا!

إذا تطلعنا إلى ذلك الماضي البعيد وحتى القريب، الذي كانت أبسط الجروح فيه تودي بحياة أصحابها، وحين كانت الالتهابات العضوية أمراضا مهابة الجانب، لا يكاد ينجو منها أحد، أمكننا أن نعرف كم كنا محظوظين كأجيال عاشت عصر المضادات الحيوية، أو المسحوق السحري كما يحلو لنا كأطباء أن نسميه. خصوصا وإحصاءات وتقارير منظمة الصحة العالمية، تصرخ أننا على أبواب حقبة ما بعد المضادات الحيوية، وأن البكتيريا التي فشلت في حروب القرن، قد ولدت أجيالا جديدة أكثر مناعة ومقاومة وتستعد لتطلق موجة من الهجمات قد تكون غير سابقة في الضراوة والفتك! وقبل الحديث عن ذلك فلنعد للتاريخ قليلا.

منذ زمن بعيد استخدم الفراعنة والصينيون القدماء ثم الإغريق والعرب فطر العفن وبعض الخلاصات النباتية في علاج الالتهابات وتطبيب الجروح، من دون أن يعرفوا طريقة تأثير تلك المواد المستخدمة في مواجهة الأمراض، ولا حتى معرفة أسباب تلك الأمراض. وفي وقت قريب نسبيا أبصر العالم الهولندي: أنطوني فان ليفينهوك سنة 1676م، عبر مجهر ضوئي بسيط صنعه بنفسه، لأول مرة كائنات دقيقة تسبح في قطرة ماء، فسماها "الحيونات المجهرية"، ولاحقا سنة 1828م أطلق عليها كريستيان جوتفريد إرنبرغ، اسم البكتيريا، التي تعني باللاتينية قضيب أو عصا، لأن الأنواع الأولى المكتشفة كانت ذات شكل يشبه العصا.

أثبت لويس باستور وروبرت كوخ في الربع الثالث من القرن التاسع عشر وجود علاقة وطيدة بين هذه الكائنات المجهرية وبين الأمراض، غير أنه لم يستطع أحد خلال ذلك القرن، رغم رسوخ ذلك المفهوم، أن يجد طريقة فعالة لمواجهة ما يترتب عن تلك الكائنات من أضرار مباشرة لجسم الإنسان.

لكن يسجل أن باستور هو أيضا أول من لاحظ وجود عمل عدائي بين الكائنات الدقيقة، صاغه عالم الأحياء الدقيقة الفرنسي "فيوليمين" بوصف: التضاد الحيوي، "antibiosis"، المشتق من مصطلح "ضد الحياة"! وطرح باستور فكرة أننا لو تمكنا من التدخل في التضاد الموجود فيما بين بعض أنواع المُتَعضِيَات الدقيقة فقد يتيح لنا هذا إمكانية عظيمة لتوفير العلاج؟
وفي سنة 1875 وصف الإنجليزي جون تيندال التضاد الحيوي الذي يبديه عفن البنسيليوم ضد الجراثيم، لكن لم يلتفت أحد لكتاباته حتى جاء طرح الأسكتلندي ألكسندر فليمينغ، حين لاحظ سنة 1928 أن البكتيريا تذوب حول الفطريات في المزرعة التي أعدها في مختبره، واستنتج من ذلك أن الفطريات تُفرز مادة قاتلة للبكتيريا، أطلق عليها اسم البنسيلين، اشتقاقا من اسم العفن المنتج لها.

نشر فليمينغ أبحاثه سنة 1929، وبشّر بإمكانية أن تكون هذه الخلاصة القاتلة ذات فائدة في علاج الأمراض الناتجة عن البكتيريا، من دون أن يجد طريقة مناسبة لاستخلاص المادة الفعالة أو عزلها، ولم يعر أحد اهتماما لما نشره، سوى الباحثين البريطانيين: هوارد فلوري وآرنست تشين، اللذين انخرطا في عمل مضن لإعادة تجاربه، واستخلصا المادة، وجرباها على الحيوانات فحققت نتائج باهرة، وانتهوا سنة 1941 لحقنها للمرضى، وأثبت ذلك أن ما تم التوصل إليه، هو عقار سحري في غاية الأهمية، مكّن لأول مرة من القضاء التام على الخمج الذي ينتج بسبب الجروح، ومواجهة بعض الالتهابات، من دون سمية تذكر على جسم الإنسان.

بالموازاة مع العمل الذي أدى إلى اكتشاف البنسيلين، طرح علماء آخرون أفكار ذهبت في نفس المنحى، حيث أثبت الدكتور الألماني إيرليخ، في نهاية القرن التاسع عشر وجود خاصية لدى البكتيريا، تمكنها من الاصطباغ بأصباغ معينة، تتفاعل وتتداخل مع جدران تلك الكائنات الضئيلة، فطرح فكرة استغلال هذه الخاصية لإنتاج أصباغ مثبطة، ترتبط بالبكتيريا وتسبب لها ضررا من غير أن تؤذي جسم الإنسان، وتمكن من إنتاج عقار "سالفارسان Salvarsan"، لكنه سرعان ما فشل بسبب تأثيره السلبي، وكذلك فعل غيرهارد دوماك، حين طور سنة 1932 عقار "البرونتوسيلProntosil "، كأول عقار مضاد للجراثيم تم تسويقه تجاريا، لكنه أيضا لم يثبت جدارته الكبيرة.

على طريقة استخلاص البنسيلين نسج العلماء، فتمكنوا من إيجاد أنواع عديدة من المضادات الحيوية، ذات المنشأ المختلف والهدف الواحد، فتم تصنيع الماكروليدات والتيتراسيكلينات، والأمينوجلوكوسيدات، والببتيدات
تبنت حكومة الولايات المتحدة وبريطانيا مشروع البنسيلين، وتهافتت شركات دوائية كبرى على إنتاجه، فابتكرت أفضل الطرق والأجهزة لاستخلاصه بأنقى الصور وأيسر السبل، وتم استخدامه بداية في علاج الجنود المرضى المشاركين في الحرب العالمية الثانية، وفي سنة 1944 أضحى في متناول المدنيين في أمريكا وبريطانيا، وبعد نهاية الحرب كان البنسيلين يباع كدواء في صيدليات العالم أجمع.

ومن هذا الحين لم تعد أمراضا مثل: الزهري والسيلان والدفتيريا والتهاب المفاصل والالتهابات الرؤية وتسمم الدم وأمراض العظام والسل والغنغرينا، وأمراض أخرى كثيرة، بالتي تخيف الناس، بل فقدت سمعتها تماما، وبعض منها انتهى كليا، بفضل السلاح الجديد الذي تفضلت به علينا أكوام العفن المقززة التي تنتشر في الأماكن الرطبة القذرة، وتتموضع على قطع الخبز المهملة في الغرف المظلمة.

وعلى طريقة استخلاص البنسيلين نسج العلماء، فتمكنوا من إيجاد أنواع عديدة من المضادات الحيوية، ذات المنشأ المختلف والهدف الواحد، فتم تصنيع الماكروليدات والتيتراسيكلينات، والأمينوجلوكوسيدات، والببتيدات، وصنفت هذه العقاقير على أساس أصلها وتركيبها وطبيعة تأثيرها وعدد وأنواع البكتريا التي تؤثر فيها، فتوفرت باقة كبيرة من العقارات الفعالة التي يختص كل منها بأمراض معينة، حيث لا مضاعفات سوى تلك الحساسية الذاتية التي تنتج نادرا لدى البعض، كرد فعل طبيعي على رفض الجسم لها.

عاشت الأجيال التي ولدت بعد الحرب العالمية الثانية ليومنا هذا ترف استخدام المضادات الحيوية، ولم تحدث نفسها أبدا بالقدرة الفتاكة لبعض الكائنات الدقيقة وما أحدثته في ما سبق، والتي تم تحييدها بفضل ذلك الترياق العجيب، وفضلا عن ذلك، ما أتاحته تلك العقارات من إمكانية إجراء عمليات جراحية، وفتح جسم الإنسان على الهواء من دون الوجل من خطر العدوى والتعفن.

ولأن كل سلاح يملك حدين، وكل سوء استخدام لنعمة معينة قد يقلبها لنقمة، فإن الاستخدام الغير عقلاني لهذه المواد الطبيعية، خلال سبعين سنة، عبر الإفراط في وصفها وتعاطيها، وكذلك عدم احترام المقادير والمدة الضرورية لأخذها، وكذا عدم القيام بالاختبارات السابقة التي تؤكد ضرورة اللجوء للمضاد الحيوي وتحديد نوعه المناسب للبكتيريا المستهدفة، جعل البكتيريا تتأقلم وتطور مناعة ذاتية ضد المضادات، بل تولدت أجيال جديدة من الجراثيم، لا تتأثر بأي من تلك الأصناف من مبيداتها، بدأت تسبب أمراضا أكثر خطورة وأكثر ديمومة!

ومع نهاية القرن العشرين، بدأت أصوات تتعالى بالتحذير من الخطر القادم بسبب الاستخدام الواسع للمضادات الحيوية، وتحدث البعض بخطأ استخدام تلك المادة من الأصل، مطلقين عليها وصف "مضادات الحياة"، معتبرين أن ذلك حفّز الحياة لتخرج أسلحة أخطر في وجه الإنسان، واليوم نعترف أننا الأجيال البشرية التي تنعمت بخير "المضادات الحيوية"، وكنا شهود المرحلة التي ربح فيها الإنسان معركة في الحرب الدائرة التي لا تنتهي، وصار حتما أن تكون هناك وقفة جدية حول هذا الموضوع، والنظر بتمعن لمستقبل الجنس البشري على هذا الكوكب، وطبيعة علاقته القادمة بأكثرية جيرانه من الأحياء، والاستعداد للجولات القادمة من الحرب.
google-playkhamsatmostaqltradent